مقالات الرأي

رؤية الحزب الشيوعي النقدية لمخرجات مؤتمر ايوا للسلام والديمقراطية ٢٠- ٢٣ اكتوبر ٢٠٢٣م (٢)


بقلم: الصادق علي حسن

الآن مشروع الدولة السودانية وصل إلى مشارف الانهيار التام وفي ظل تكوينات الدولة المتنازعة عليها سياسيا وعسكريا قد يكون من الصعب ادراك وجود الدولة نفسها ما لم تتم مراجعة المواقف والأوضاع القائمة برمتها، ومحاولة تلافي المزيد من أسباب الانقسامات المجتمعية ومنازعات الأهداف السياسية الذاتية المحضة ، وقد لا يتحقق ذلك إلا بمواجهة الحقائق وإدارة الخلافات السياسية بموضوعية وتجرد وبصورة تحفظ المصالح العامة العليا للدولة وشعبها المتبقي . كما ومن الحقائق ان السودان دولة حديثة التكوين ويغالي اصحاب الرأي الرسمي السائد في الدولة بانكار هذه الحقائق ومع الانكار تمت صياغة الدولة بمفاهيم ثقافية آحادية واهمال متعمد لثقافات المجتمعات المحلية المتعددة والمتنوعة ، وكرست انظمة الدولة لأسباب الحروبات والمنازعات المجتمعية والمناطقية ، كما ومن الحقائق ان جغرافية السودان من الأراضي التي استوعبت هجرات متعددة ومتنوعة وفي ازمنة مختلفة وان الدولة نفسها تمت صناعتها بعامل خارجي ، وهذه ليست منقصة فكل الدول الحديثة القائمة تم تكوينها عقب خسارة دول المحور في مواجهة الحلفاء وتوزيع ممتلكات الأمبراطورية العثمانية وقيام كمال اتاتورك بإعلان الدولة التركية العلمانية حتى لا تتغول عليها اوربا ، الشرعة الدولية التي تحدث عنها الحزب الشيوعي في رؤيته حول مخرجات مؤتمر ايوا، هذه الشرعة تمت صياغتها من خلال التجارب التي مرت بها اوربا واقتسام العالم ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة في التقسيم، بل الولايات المتحدة نفسها كانت مستعمرة بريطانية، ولكن ظهرت كقوة لاحقا بعد سنوات من إستقلالها وقد أخذت لنفسها موقع المراقب المحايد ثم صارت هي الفاعل الرئيس في العالم ، هنالك خمس معاهدات دولية بموجبها تم تشكيل العالم الحديث وهي معاهدة تورد سيلاس ١٥٩٤ وصلح وستفاليا ١٦٤٨ ومعاهدة باريس ١٧٨٣ ومؤتمر فينا ١٨١٤-١٨١٥ ثم معاهدة فرساي ١٩١٩ لتقسيم ممتلكات الأمبراطورية العثمانية ومستعمرات المانيا خارج اوربا، هذه الإتفاقيات من خلالها شكلت أوربا العالم الحديث وليست الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت بداية ترسيم التقسيم بوصول سفينة كولمبوس من الأراضي الجديدة بالخطأ إلى شواطي البرتغال وقيام أحد رفقائه بنقل خبر اكتشاف الأراضي الجديدة لملك البرتغال وادعاء ملك البرتغال ملكيته على الأراضي المكتشفة باعتباره أول من سمع بالاكتشاف ثم ذهاب كولمبس إلى ملكه في اسبانيا وتم الإحتكام بينهما لدى البابا الذي كان يتمتع بالسلطة الروحية وقام البابا باقرار تقسيم العالم بينهما شرقا وغربا باستثناء الأراضي الأوربية وبذلك التقسيم تم تقنين الإستيلاء على اراضي الغير والأراضي بلا احد وإنشاء مستعمرات عليها ، ثم عقب ذلك بسنوات رفضت بريطانيا وفرنسا وهولندا التقسيم واستكثرت على مملكة البرتقال الصغيرة حصولها على نصف العالم غير المكتشف وتم إبرام صلح وستفاليا عام ١٦٤٨ وبموجبه حصلت الممالك الأوربية الثلاث غير الراضية بالقسمة على حقها في الأراضي غير المكتشفة بافريقيا واسياء، إن الرقعة الجغرافية التي بها الدولة السودانية الحالية كانت بها اراضي شاسعة غير خاضعة للنفوذ حينما ابحر الرحالة المكتشفون لاكتشاف منابع النيل (ديفيد لفينجستون وهنري مورتن استانلي وريتشارد فرانسيس بيرتون) وكان ذلك قبل قرنين من الزمان، وبمقياس حضارات الشعوب تعد هذه فترة زمنية قريبة جدا، وفي تلك الفترة وسابقا لها بقرون كانت هنالك مماليك في الرقعة الجغرافية السودانية الحالية مثل مملكتي علوة والمغرة ومماليك الفونج والداجو والفور والمساليت ونظم حكم محلية اخرى في جبال النوبة وجنوب السودان، وحينما قام محمد علي باشا بغزو السودان بحملة قادها ابنه اسماعيل باشا في ١٨٢٠ كان العالم يعترف بالغزوات واحتلال الأراضي غير المشغولة بالإستعمار الأوربي، واخذت الأراضي التي ضمها محمد على باشا للأمبراطورية العثمانية التبعية للامبراطورية العثمانية ثم اندلعت الثورة المهدية في ١٨٨٥ وشكلت اساس الدولة الوطنية الأولى بالبلاد ثم عاد الاستعمار بحملة هكس باشا ونيازي في ١٨٩٩م ، وفي ظل الاستعمار الثنائي وقفت الإمبراطورية العثمانية إلى جانب دول المحور المانيا وايطاليا وخسرت الحرب واستقل كمال اتاتورك بحدود دولة تركية الحالية ومنع التغول الأوربي عليها ، لقد عاد ابناء واحفاد محمد علي باشا للأراضي السودانية الحالية بحق الفتح السابق من خلال الحكم الثنائي الإنجليزي المصري وكانت مصر نفسها تحت الإنتداب البريطاني لتحصيل القروض التي عجزت عن سدادها واقترضتها لبناء مصر الحديثة وقناة السويس، وقد تم الإتفاق بين بريطانيا و الخديوي توفيق في عام ١٨٨٢م على وضع مصر تحت الإنتداب البريطاني لتحصيل ديونها وظلت لمصر سيادتها الأسمية على اراضيها و كانت منقوصة بالإنتداب واشتركت في استعمار السودان.
الحركات الوطنية في ظل الاستعمار الثنائي.
لقد ظلت الحركات الوطنية في ظل الاستعمار الثنائي متأثرة بحالة الاغتراب الوجداني للنخب ويجد الباحث ان جمعية اللواء الأبيض وحركة ضباط حركة ١٩٢٤ ممن كانوا يعملون في الجيش المصري كان التحرر في وجهة نظرهم من خلال تحقيق شعارات وحدة وادي النيل كما ولم تكن لهم برامج بمفاهيم تتاسس عليها دولة على أراضي جغرافية السودان الحالية وكانت الصحف والنخب المصرية تقف خلفهم وتدعم حراكهم مما يكشف التباين في وجهات النظر بين دولتي الحكم الثنائي في كيفية صياغة وتشكيل الشخصية الوطنية في الأراضي التي تخضع لنفوذهما الثنائي.
ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م :
تعد ثورة ديسمبر المجيدة اعظم الثورات السودانية التي مرت على البلاد منذ بداية مشروع تأسيسها، وقد تحققت اهداف الثورة بجهود الشباب الثوار ولولا تلك الجهود الفاعلة لما تمكن الشعب السوداني من ازاحة نظام البشير ولكن نخب القوى السياسية والحزبية وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير ارتكبت اخطاء جوهرية فادحة من خلال الوثيقة الدستورية المعيبة التي وبموجب احكامها قننت استمرار اوضاع النظام البائد بذات عناصر لجنتها الأمنية ، كما وعقب الإنقلاب على الوثيقة الوثيقة الدستورية واطرافها المدنية بواسطة المكون العسكري للنظام البائد في ابريل ٢٠٢١ ثم الحرب الدائرة حاليا بين طرفيها وهما قيادة الجيش والدعم السريع، احدثت الحرب العبثية الدائرة تحولات اساسية في مراكز القوى حتى لقوى ثورة ديسمبر ولجان المقاومة، البلاد الآن في حقبة ومرحلة جديدة لذلك فان افتراض الحزب الشيوعي بان المرحلة الحالية تمثل امتدادا لمرحلة ثورة ديسمبر وشعاراتها وان قوى ثورة دبسمبر هي نفسها قوى ثورة المرحلة الحالية قد لا يكون سليما او منتجا لتحقيق أهداف البلاد في وقف الحرب والإنتقال المدني الديمقراطي وقد ولجت البلاد في عمق الانقسامات المجتمعية وصارت على حافة دائرة الحروبات الأهلية ، وإذا سارت الأمور على هكذا منوال وقد تجاوزت المرحلة شعارات ثورة ديسمبر ٢٠١٨ (حرية/سلام/ عدالة) وبات الأمر متعلقا بوجود الدولة نفسها وماهية اسس تأسيسها ،وفي ذات الوقت لا تمتلك الأحزاب اي تصورات مبنية على حقائق على أرض الواقع ، لم تتمكن لجان المقاومة من تطوير ادواتها كما وتفرقت بها السبل، وبيانات لجان المقاومة المتعددة وشعاراتها التي صدرت اثناء الحرب تكشف بانها لا زالت اسيرة للأوضاع السابقة ومرحلة الثورة السابقة ومسيراتها و تأثيرات خلافات القوى السياسية والحزبية عليها. من نتائج الحرب العبثية الدائرة، عادت الدولة تلقائيا إلى منصة التأسيس وفي هذه العودة القسرية بفعل الحرب،تحتاج القوى السياسية والحزبية والحركات المسلحة والتنظيمات والكيانات المدنية ولجان المقاومة للعمل لتحقيق الهدف المشترك الذي يجمع بينها حول كيفية التأسيس لوجود الدولة، وإذا لم يحدث ذلك وفي القريب العاجل،فان الراجح ان نموذج الفوضى بالسودان لن يكون مسبوقا في العالم، كما وفي نهاية المطاف، ستخضع البلاد لتدابير الأمم المتحدة بفرض الوصاية عليها وقد صارت مهددة للأمن والسلم الدوليين بمعايير الأمم المتحدة ولكن يكون في ذلك مخرجا. لقد فشلت الأمم المتحدة في تجاربها المماثلة وقد فشلت في الصومال وفي ليبيا والعراق، في حالة السودان الراجح ستمتد الفوضى لتشمل الحزام الأفريقي الممتد من فولتا العليا غربا وحتى جيبوتي شرقا وقد لا تسلم جنوب مصر والسعودية والإمارات من آثارها.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x