مقالات الرأي

عودة العلاقات الإيرانية السودانية إختيار أم إضطرار

بقلم: صلاح جلال

(١)
💎 تسارعت وتيرة تحسن العلاقات السودانية الإيرانية التى وصلت مرحلة إعادة العلاقات الدبلوماسية وقرار تبادل البعثات بعد قطيعة كاملة دامت ثمانية أعوام منذ العام ٢٠١٥م عقب إحتلال السفارة السعودية فى طهران وإنفجار حرب اليمن فى عاصفة الحزم ، فقد قرر الرئيس المخلوع عمر البشير ومدير مكتبه دون إستشارة وزارة الخارجية فى ذلك الوقت الغيهب ، قد حكى مقربون أن وزير الخارجية سمع بالقرار عبر الإذاعة والتلفاز قطع العلاقات بشكل كامل بين البلدين وطرد البعثة وإنهاء كل أشكال الوجود الإيرانى فى السودان، وقد تزامن مع القرار إعلان قبول السودان المشاركة العسكرية فى عاصفة الحزم ضد جماعة الحوثى فى اليمن الذى تم بموجبه إرسال القوات المسلحة لمساندة عودة الحكومة الشرعية بقيادة منصور هادى ودحر جماعة الحوثى المسنودة من إيران، الجدير بالذكر فى تناقض لافت ما زالت القوات المسلحة السودانية تحارب فى اليمن لذات المهمة المعلنة.

(٢)
💎 لقد تطورت علاقة السودان والجمهورية الإيرانية وإزدهرت بعد إنقلاب الإنقاذ فى العام ١٩٨٩م، وقد إتسعت المشتركات بين النظامين فى الخرطوم وطهران كالعداء للولايات المتحدة الأمريكية والمصالح الغربية والخصومات الحادة مع دول الخليج ودعم المجموعات الإسلامية المتطرفة على مستوى المنطقة والعالم ، بدأت العلاقات بإرسال إيران ٢٠٠٠ فرد من الحرس الثورى الإيراني لتدريب قوات الدفاع الشعبى السودانية التى تأسست على نسق قوات (الباسيج) الإيرانية وبدأ التعاون العسكرى بإنشاء مصنع اليرموك لإنتاج الأسلحة والذخائر والصواريخ البلاستية ومصانع جياد للمصفحات وناقلات الجنود وقد شهدت هذه المرحلة وصول أعداد كبيرة من الخبراء العسكريين الإيرانيين للخرطوم وقد تأسست منطقة مخصصة لإقامتهم فى منطقة كافوري ملحقة بنادى وملاعب رياضية لا تزال قائمة كانت منطقة مغلقة على عامة السودانيين وبها مطار لإقلاع وهبوط الهيلكوبترات أشرف عليها رجل الإنقاذ القوى فى الظلام (جمال زمقان) الذى قُتل فى منزله فى الحرب الراهنة ، وصل الإنتاج العسكرى مراحل متقدمة وتم تدريب أعداد كبيرة من الإسلاميين المتطرفين من مختلف أنحاء العالم تحت إشراف الحرس الثورى الإيرانى ، وتم تنفيذ عمليات إرهابية مشتركة بين الخرطوم وطهران فى اليمن المدمرة كول واحداث السفارات فى شرق أفريقيا كينيا ، كما تم إحضار أسامة بن لادن المعارض السعودى للسودان وكان زروة تعاون البلدين محاولة إغتيال الرئيس المصرى حسنى مبارك فى أديس أبابا على حد شهادة دكتور الترابى على العصر ، مما إستمطر العداء والعقوبات الدولية على السودان .

(٣)
💎 تمدد النفوذ الإيرانى فى تلك الحقبة فى السودان على المستوى الدينى والثقافى كذلك لنشر التشيع بين المواطنين، فقد إنتشرت المكتبات الشيعية وتم تأسيس المركز الثقافي الايرانى فى الخرطوم ومكتبة الإمام جعفر الصادق فى منطقة العمارات وتم إنشاء عدة مؤسسات تعليمية شيعية لنشر المذهب منها مؤسسة الإمام على ابن أبى طالب التعليمية ومدرسة فاطمة الزهراء وعدد كبير من الحسينيات فى العاصمة والأقاليم وكذلك تشكلت جمعيات خيرية لإستقطاب الفقراء وذوى الحاجات للتشيع وبدأت هذه الأنشطة المدعومة من الحكومة الإيرانية تأخذ منحى شعبى وأهلى بين السودانيين فقد أعلن أعيان مجتمع ومثقفين ووزراء تشيعهم على الملأ مما أقلق جماعة أنصار السنة والجماعة المحمدية وقاد إلى مخاشنات كلامية ومواجهات إرهابية منها حادثة الخليفى الليبى وإثنين سودانيين فى منطقة الثورة ١٩٩٤م .

(٤)
💎 تطور العلاقات السودانية الإيرانية فى تلك الحقبة جر إلى السودان الكثير من المواجهات مع الجيران فى الإقليم ودول العالم ، فقد كانت أبرزها ضرب إسرائيل للسودان أكثر من ثلاثة مرات بالطيران كانت الأولى ضرب الطيران قافلة من بورتسودان فى إتجاه حلايب وشلاتين
فى ١٧/٤/٢٠١١ حسب مصادر إسرائيلية كانت القافلة تحمل أسلحة ومتفجرات ليتم تسريبها عبر الأنفاق فى سيناء إلى حركة حماس فى غزة مما أزم العلاقات مع الجارة مصر فى تلك المرحلة ، والحادثة الثانية كانت أيضاً على ساحل البحر الأحمر فى داخل مدينة بورتسودان ضربت صواريخ إسرائيلية عربة سوناتا وتم إغتيال من بداخلها فى ٢٢ مايو ٢٠١٢م بتهمة أن المتهم هو الخبير الذى ينقل الأسلحة والمتفجرات لقطاع غزة ، وكانت خاتمة أزمات العلاقات الدبلوماسية السودانية الإيرانية قبل قطعها ضرب الطيران الحربى الإسرائيلي لمصنع اليرموك لصناعة الأسلحة فى العاصمة الخرطوم بتاريخ ٢٣إكتوبر ٢٠١٢م ، كان وصول العلاقات الدبلوماسية الإيرانيةمع الخرطوم قمتها فى العمل المشترك وإستقطاب العداء للسودان زيارة الرئيس المخلوع عمر البشير لإيران التى أعادته فيها المملكة العربية السعودية للبلاد وعدم السماح له بعبور الأجواء رجع الرئيس إلى الخرطوم ، وتم تغيير خط السير والعودة مرة أخرى فى اليوم الثانى بعد الحصول على الموافقات الضرورية للوصول إلى طهران .

(٥)
💎 السودان يقع فى دائرة الرغبة الإيرانية على الدوام ، خاصة أن إيران لها خبرات كبيرة فى بناء العلاقات على الرمال المتحركة التى إكتسبتها مع الدول المضطربة والإستثمار فى حالات الأزمات فيها تجلا ذلك فى العراق وسوريا ولبنان (حزب الله) واليمن (الحوثيين) ، إيران تنظر للسودان كدولة مركزية ومفتاحية للتأثير وتأسيس النفوذ فى القارة الأفريقية حيث تتقاطع دبلوماسيتها مع النفوذ الروسى التركى والأمريكي الأوربى فى أفريقيا، السودان الآن أرض خصبة للمشروع الإيرانى للتأثير والسيطرة على البحر الأحمر بمداخله ومخارجه الحاكمة فى باب المندب وقناة السويس ويعتبر مكمل لأمن الخليج العربى الذى تسيطر عليه إيران والعراق
اى زيادة للتدهور الأمنى على البحر الأحمر سيضع بورتسودان فى تقاطع مصالح مع كل الدول الغربية والخليج والصين والهند وجمهورية مصر العربية .

(٦)
💎💎ختامة
عودة العلاقات الدبلوماسية السودانية الإيرانية مخاطر التوقيت حيث الاضطراب فى أمن البحر الأحمر وتنشيط الوجود العسكرى الأجنبى فيه وتهديدات الحوثى الحليف الإيرانى على التجارة العالمية فيه والتعبئة الأمريكية وحلف النيتو لتأمين الممر المائي الهام مما أضطرهم لتوجيه ضربات وقائية لليمن وضربات أخرى لأهداف إيرانية بلغت ٢١٠ هدف فى الدولتين العراق وسوريا ومازال حبل التوتر فى البحر الاحمر على الجرار ، فى هذا التوقيت إعادة العلاقات قد يسحب بورتسودان لدائرة المواجهة الدولية مرة أخرى ، لكن أعتقد قيادة الجيش مضطرة فى إطار البحث عن ظهير لإستمرار الحرب ضد الدعم السريع للحصول على أسلحة إستراتيجية تغير موازين الصراع المسلح الذى لايميل إلى صالح القوات المسلحة الآن ، فإنهم مجبرين تحت وطأة المازق يبحثون عن سلاح لتغيير المعادلة العسكرية Game Changer فى الحرب مثل حصول المجاهدين الأفغان فى الثمانينات على صواريخ إستنجر الأمريكية ، لكن السؤال هل إيران الآن فى ظرف يسمح بذلك ؟؟
وماهى كُلفة الإقتراب الحميم من إيران فى اللحظة الدولية الراهنة؟ أخشى أن تكون فاتورة الخسائر أكبر من المكاسب فى هذه المقاربة الدبلوماسية عشية لقاء وزير خارجية السودان على الصادق للرئيس الإيرانى وإعتماد عودة العلاقات بين البلدين لتكون إضافة للفشل المتكرر للدبلوماسية السودانية ، الحلول التفاوضية لوقف الحرب هى أقل التكاليف وأفضلها يا دبلوماسية اولاد ود أبراهيم .
كالمستجير من الرمضاء بالنار

لا_للحرب

لا_لتجييش_الشعب

منبر_جدة_هو_الحل

صلاح جلال
٦ فبراير ٢٠٢٤م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x